ذكرت دراسة حديثة أن الليرة التركية تتعرض لضغوط شديدة في الفترة الأخيرة، وذلك جراء توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن، في ظل الخلافات بين الطرفين حول إدارة عدد من القضايا المحلية والإقليمية، فضلاً عن ضعف الأساسيات الاقتصادية بسبب ارتفاع مستويات الديون الخارجية، واتساع عجز ميزان المدفوعات

وأوضحت الدراسة التي أعدها مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، أنه ومع توقع استمرار هذه الأوضاع، تشير الترجيحات إلى أن الليرة ستشهد مزيدًا من الهبوط في الفترة المقبلة، لا سيما مع تراجع استجابة السياسات الحكومية لمعالجة الأزمة، الأمر الذي سيفرض معه ضغوطًا تضخمية شديدة، بالتوازي مع تدهور أداء الشركات التركية وتعثرها في سداد ديونها

وهبطت الليرة تدريجيًا منذ عام 2016 عقب محاولة الانقلاب في يوليو من نفس العام، حيث سادت البلاد حالة من عدم اليقين السياسي، وهو الأمر الذي هز الثقة في الأداء الاقتصادي، وبما ترتب عليه وصول سعر صرفها إلى ثلاث ليرات مقابل الدولار الأميركي لأول مرة في عامى 2016 و2017

توتر العلاقات مع واشنطن

بيد أن التراجع الأكبر لليرة كان في عام 2018، وتحديدًا في 13 أغسطس، عندما هبطت إلى مستوى 6.88 ليرة مقابل الدولار، وبتراجع بنسبة 7% عن اليوم السابق، وجاء ذلك كنتيجة للتوتر الشديد في العلاقات بين أنقرة وواشنطن

ومع الإفراج عن القس الأميركي، تعافت الليرة تدريجيًا وأغلقت عام 2018 عند مستوى 5.29 ليرة للدولار، ولكنها على مدار العام كله فقدت نحو 40% من قيمتها ولتعد من بين الأسوأ في العالم من ناحية الأداء بجانب عملات مثل البيزو الأرجنتيني والراند الجنوب أفريقي

ومنذ بداية عام 2019، حافظت الليرة على استقرارها نسبيًا وعند مستوى تراوح بين 5.30 و5.50 ليرة مقابل الدولار في يناير وفبراير الماضيين

لكن لم تلبث الليرة أن تعرضت لضغوط قوية مرة أخرى في مارس الماضي، وتحديدًا في 22 منه، حيث تراجعت بنسبة 5.4% إلى 5.7 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر الماضي، وجاء ذلك على خلفية تزايد مخاوف المستثمرين من احتمال تدهور العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة مجددًا

وأشارت الدراسة إلى عدة ضغوط تواجه الليرة التركية في 2019 أهمها تداعيات الانقلاب الذي شهدته تركيا في 2016 وما صاحب ذلك من تعديلات داخلية عززت من موقف المعارضة التركية، إضافة إلى استمرار التوترات بين أنقرة وواشنطن

مخاوف المستثمرين

كما تصاعدت مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد نتيجة ضعف الأساسيات الاقتصادية وعدم فعالية السياسات الحكومية في مواجهة مشكلات مثل انخفاض النمو الاقتصادي وتراجع العملة وتزايد الدين الخارجي، فضلاً عن الضغوط التي مارسها الرئيس أردوغان على البنك المركزي لخفض سعر الفائدة

ولأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، اتجه الاقتصاد نحو الركود في العام الماضي، حيث تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.6% في عام 2018، من 7.3% في عام 2017، وذلك في إشارة على ضعف محركات النمو التقليدية التي تتمثل في الإنفاق الاستهلاكي للأسر والقطاع الخاص

علاوة على ذلك، تواجه تركيا مستويات مرتفعة من الدين الخارجي بلغت نحو 448.4 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من عام 2018، وبما يعادل 62% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتحمل القطاع الخاص منها نحو 305.8 مليار دولار. وبحلول يوليو 2019، يستحق على تركيا سداد نحو 179 مليار دولار منها نحو 146 مليار دولار على القطاع الخاص وفق بنك جي بي مورجان الأميركي

أعباء إضافية على الشركات

وأشارت الدراسة إلى أن الشركات التركية سوف تتعرض لضغوط مالية كبيرة في الأشهر المقبلة، لا سيما مع تدهور قيمة العملة بأكثر من 40%، حيث عليها تخصيص مزيد من الأموال بالليرة لدفع الدين المقوم بالعملات الصعبة

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي هذا الوضع إلى استنزاف الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي لسداد مستحقات الديون الأجنبية، فضلاً عن الواردات

ولا تتوقع المؤسسات الاقتصادية العالمية حدوث تحسن كبير في أداء الاقتصاد التركي في العام الجاري، بل إن بعضها يرى أن الأوضاع الاقتصادية سوف تسوء بشكل أكبر، كما من المحتمل أن تواجه القطاعات الاقتصادية، ولا سيما المصارف مخاطر أوسع في العام الجاري. وفي هذا الصدد، تتوقع وكالة موديز للتصنيف الائتماني انكماش الناتج المحلي في عام 2019 بنسبة 2% نتيجة استمرار ضعف المؤشرات الاقتصادية العامة

مزيد من الضغوط

ورجحت الدراسة أن تشهد الليرة التركية مزيداً من الضغوط الشديدة في الفترة المقبلة، لتهبط إلى ما بين 6 و7 ليرات مقابل الدولار الواحد بنهاية العام الجاري

ولا شك أن تقلبات الليرة سيترتب عليها نتائج وخيمة على الاقتصاد، ينصرف أهمها إلى حدوث مزيد من ارتفاع مستويات #التضخم في البلاد، علمًا بأن التضخم بلغ ذروته في أكتوبر 2018 بنسبة 25.2% قبل أن ينخفض إلى مستوى أقل من 20% في الأشهر الماضية

إلى جانب مواجهة الشركات التركية أعباء مالية إضافية في الفترة المقبلة، حيث قد يتسبب تدهور العملة في تعثرها في سداد ديونها، وبما قد يتسبب في ارتفاع نسبة القروض المتعثرة لدى المصارف إلى ما بين 7 و9% من إجمالي القروض بحلول نهاية عام 2019، من مستوى 4% حالياً