بغداد/المركز الخبري الوطني-

مشاكل جمة، وتدخلات عميقة إلى جانب الكثير من الأسرار التي حصلت في حقبته القصيرة، يكشف عنها رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي كسر حاجز الصمت لأول مرة بعد استقالته من رئاسة الوزراء.

كيف عاش فترة التظاهرات؟ وماهي الأسباب التي آلت إلى زوال حكومته؟ وما هي أسرار “الخطوط الحمر” بين أمريكا وإيران في العراق؟ وما الذي حصل عند اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في العراق؟ وكيف تعامل مع مساعي التطبيع مع إسرائيل؟، جميعها أسئلة يجيب عليها عبد المهدي في حوار مع مجلة “حوار الفكر” الفصلية وينشر موقع “NNC” أبرز ما جاء فيه.

ما حكاية 600 ألف رسالة تتعلق بالدستور؟

يقول عبد المهدي بشأن الدستور العراقي، “كُتب الدستور وقبله كُتب قانون إدارة الدولة الذي فيه الكثير من الافكار الحديثة التي لا تخلوا من بصمات الرؤية الأمريكية، وليس صحيحاً ما اشيع من ان كل شيء اعد في مكاتب في الخارج، خصوصاً فيما يتعلق بالدستور، مبينا أن “قانون إدارة الدولة فيه بصمة أميركية واضحة وقوية، أما الدستور فقلل من ذلك وقام على مشاورات كبيرة بين المؤسسات العراقية، اذ وصلت اكثر من 600000 رسالة الى لجنة اعداد الدستور وجرت مشاورات ومناقشات واسعة حوله”.

ويشير عبد المهدي إلى حصول “اعتراضات أمريكية على اكثر من فقرة في الدستور وصياغاته، منها علاقة الدين بالدولة، وعلاقة المكونات بعضها، وهل النظام مركزيا او لا مركزي، ونظام الحكم برلماني ام رئاسي؟، وحقوق الانسان، وكذلك في الفصل بين السلطات، وحقوق المواطن والكثير من المبادئ الاساسية”.

ويلفت عبد المهدي إلى أن “أكثر من 55 قانوناً بقيت دون تشريع او لم تشرع نهائياً او شرعت بعجالة، كما أن بعض المبادئ بقيت عاجزة عن تقديم حلول وسياقات عمل، لعدم وجود نهايات لها”، مؤكدا أن “الدستور كُتب بأيد عراقية، لكنه لا يخلو من تأثيرات خارجية مباشرة وغير مباشرة، ويفتح المجال لكل إنسان أن يفسر المبدأ كما يشاء، وهذا ما أوجد منذ البداية خلافات كبيرة بين الفرقاء السياسيين في تفسير المواد الدستورية، كالمادة 140، وموضوع الكتلة الاكبر، واذا استقال رئيس الوزراء وحكومة تصريف الامور، وقضايا الهوية وانسجامها مع الواقع عملياً وليس نظرياً، جميعها امور بقيت سائبة أو تم إحالتها إلى المحكمة الاتحادية التي لعبت دوراً مرجعياً يعود اليها الفرقاء ونجحت مرات وفي مرات اخرى كان تفسيرها متأثراً بضغوطات اللحظة فتبقيها معلقة كتفسير يمسك العصى من الوسط، وهذا لا يعطي حلا بهذا الاتجاه ولا الاتجاه الآخر لذلك برزت كثير من الفراغات في التجربة السياسية العراقية”.

تظاهرات تشرين وتحطم مفاهيم كانت “مقدسة”

يواصل عبد المهدي حديثه لمجلة “حوار الفكر” الذي ينفرد موقع “NNC” بنشره، ويقول، إن “جزءاً مما عشناه من مظاهرات او ما نعيشه من تداعيات وتدافعات ومواقف من مختلف الدول له حسابات اقليمية، والعراق له ايضاً حسابات اقليمية مع الآخرين”، مبينا أن “العراق سيبقى ضعيفاً تتجاذبه النزعات، إن لم يكتشف عوامل قوته الداخلية ومع اقليمه ويستخدمها لتعزيز مكانته ولعب دوره الذي يتناسب مع طبائعه ومصالحه والذي لعبه تاريخياً”.

ويرى عبد المهدي، أن “مظاهرات تشرين 2019 كانت عنيفة وسقط فيها الكثير من الضحايا من المدنيين والعسكريين، أما مظاهرات تشرين 2020 كانت اقل عنفاً وسقط عدد اقل بكثير من الضحايا، ولا اقول هذا عظيم، لكننا اجتماعياً وسياسياً يجب ان نأخذ هذه التطورات بنظر الاعتبار”، مبينا أن “القناعات تغيرت كثيراً، وهناك فهم افضل لكثير من القضايا، ففي تشرين 2019 كان الكلام عن حرب شيعية شيعية، وعن اسقاط النظام، هذا لم يحصل، فرغم الانقسامات السياسية التي لم تدخر مكوناً او ساحة فإننا نشهد الكثير من الاجتماعات وآفاق التحالفات، ليس بين الشيعة فقط، بل بين ساحات وتشكيلات مختلفة”.

ويشير عبد المهدي إلى أن “الظروف ليست مثالية، لكن لدينا تجربة غنية، فيجب ان لا ندمرها بجلد الذات وعدم الثقة بأنفسنا والدروس المستخلصة من كل هذه الاوضاع والوقوف عند السلبيات فقط دون الارتكاز لكثير من الايجابيات”.

ويتابع، “تلقينا دروساً قاسية، وتحطمت مفاهيم كنا نراها مقدسة، وزالت الكثير من الهيبة عن الكثيرين منا، وهذه قد تكون معوقاتنا السابقة مما قد يدفعنا للتفكير ببدائلها للانطلاق نحو المستقبل”، موضحا أن “التصعيد داخل المكونات وبينها يجب ان يدفع للبحث عن حلول اجدى، فالصيغ القديمة ادت واجبها وقد يكون جزءاً منها قد انتهى، ويجب ان نبحث عن البدائل الصحيحة اللازمة، فليس كل تصعيد يؤدي الى الحرب او القتال، فقد يقود الى حوارات وحلول جدية وهذا ما نأمله”.

ظروف التشكيل

يقول عبد المهدي، “لم يكن مجيء حكومتنا بسبب امتلاكنا كتلة نيابية، حيث حاول الاخرون الوصول إلى نتيجة لتجاوز انغلاق مسارات تفسير الكتلة الأكبر او الوصول لتوازنات مقبولة من قبل القوى السياسية، فكنا حلاً مؤقتاً لهم”، موضحا أن “حكومته بعد أن تشكلت تركت مكشوفة وبدون غطاء سياسي حقيقي، ولم تكن لها قاعدة سياسية وبرلمانية بل لها فقط علاقات تاريخية مع هذا الشخصية او تلك القوة، اكثر مما هي التزامات لمشروع كبير كمشروع الحكم والدولة”.

ويؤكد عبد المهدي، أن “التنافس الذي كان موجوداً قبل تشكيل الحكومة وجد لنفسه مظلة للاستمرار، خصوصاً وأن الحكومة لم تكن انتقامية أو سلطوية، فبدأت من جديد، ومنذ الايام الاولى أصبحت عوامل العرقلة والمزايدات هي الحاكمة، اكثر من عوامل الدعم والتيسير في الاجراءات والمعادلات السياسية”.

“الانتخابات المبكرة” وموقف السيد الصدر

يقول عبد المهدي، “عندما اثار السيد مقتدى الصدر عدة مرات مقترح الانتخابات المبكرة، قلنا بالعكس في رسائل مكتوبة، (توصلوا إلى مرشح، وستستقيل الحكومة في اليوم التالي.. فلا توجد اية رغبة في التشبث بأي شكل كان)”.

وتابع عبد المهدي، “بعد الاستقالة مرت خمسة أشهر وبذلنا جهوداً كبيرة لمساعدة المكلفين ولم نعرقل، سواء مع محمد توفيق علاوي او عدنان الزرفي وأخيراً مصطفى الكاظمي”.

ما هي حكاية “الكيات”؟

يلفت عبد المهدي بالقول، “عندما توليت مسؤولية رئاسة الوزراء، كانت احدى الشروط التي وضعها علي السيد مقتدى الصدر هو (ان لا استقيل)، وقال لي 100 يوم وادخل الخضراء، قلت له في اللقاء الذي جرى بيننا في النجف الاشرف قبل التكليف الرسمي، (سيدنا إنشاء الله تدخل الخضراء بـ(الكيات) ولن نحتاج لرفع الصبات والحواجز لأنني سأفتح الخضراء)”.

ويؤكد بالقول، “فعلاً فتحنا الخضراء واتخذنا من بناية الجمعية الوطنية في منطقة العلاوي مكتبا لرئيس مجلس الوزراء”، موضحا أن “السفارة الامريكية أبدت مخاوفها ابتداءً رغم ان نائب الرئيس السيد “بنس” عبر في محادثة جرت لاحقاً بيننا عن تهانيه للخطوة”.

ويحذر عبد المهدي من أن “المكون الشيعي إذا لم يعرف مصالحه ولم يكن منصفاً وعادلاً مع الآخرين فمن الصعب حكم العراق”.

ويذهب عبد المهدي بالقول، “إذا لم يفهم الشيعي الوضع الكُردي او الواقع السني او المسيحي او العلماني والثقافات المختلفة فسيضر بمصالحه ومصالح الاخرين والبلاد، لكن على الاخرين ايضاً ان يعرفوا مصالحهم، وبدون ذلك لن تستقيم المعادلة”.

ويبين، أن “هناك افاقا وحدود لكل مكون، فان لم تحدد افاق وحدود الجميع فان الالفة الاجتماعية لن تتحقق وسنؤسس لنظام متصادم وليس منسجماً ومتصالحاً، والتالي فعلى العقل الشيعي والعقول الاخرى ايضاً ان تكون ناضجة اذ اردنا الوصول الى الحكم الراشد العادل والاستقرار”.