لقمان عبد الرحيم الفيلي

مع كلِّ بلاءٍ تأتي فرصٌ قد تغافلنا عنها او تعمّدنا في تأجيلها خوفاً من المجهول او جبناً من تحمّل المسؤولية. الآن لدينا فاجعة جائحة كونيّة لا مفرَ منها، لنقنع أنفسنا ونقول إنّها من قضاء الله وقدره، او لنقل سوء توفيق البشريّة وجشعها. على كلّ حال نقطة التحول في المسار البشري قد حدثت ولا يمكن أن تذهب من دون ضريبة قاسية او استفادة منها كفرصة. فالتاريخ يصنع من قبل الشعوب التي تواجه المحن بثقة عالية واطمئنان بأنّ سنن الله معها، فهل نريد أن نكون جزءا من صنع التاريخ، ام نبقى على هامشه؟ لنا الخيار. 

جمهورية ٢٠٠٣ تواجه أزمة مزمنة مخرجاتها غير صحيّة، الزمن لا يخدمها، جمهورها يبتعد عنها كماً ونوعاً، يأمل لها الصديق بالانفراج وبمعالجة أمراضها النفسية والجسدية، ويأمل لها العدو موتها وأن يشارك في خنق أنفاسها الأخيرة. هذه الجمهورية فقدت الكثير من جمال شبابها وكأنّها تشيخ قبل زمانها. 

يا ترى كيف ستعيد هذه العملية السياسية حيويتها وشبابها؟، أي نوع من النقاهة والإصلاح تحتاج لإعادة عافيتها؟، قد نحتاج إلى حركة وطنية شاملة تقودنا باتجاه بوصلة صحيحة بدل التيه الذي نحن فيه. من جانب آخر نرى المزيد من الأحزاب والتكتلات الصغيرة القائمة على المصالح الذاتية الضيقة تزداد سعة في واقعنا السياسي. 

ضعف تشخيص طبيعة جمهورية ٢٠٠٣م أدى إلى اختلاط الأمور في معرفة الجواب عن: أين تكمن حدود نهاية الحكومة؟ وأين تكمن حدود بداية الدولة؟ أصبحت الحكومة عندنا (في العقل الباطني) تعني الدولة، وأصبحت الدولة تعني عندنا التعقيد والروتين القاتل، ومن جانب آخر نرى اختراقات الحكومة للدولة فهي تنتهك كل حصونها وخصوصاً من خلال ترسيخ عملية المحاصصة على أغلب المستويات الإدارية والمسلكية، ناهيك عن السياسية. عندما نعرف حدود وحصانة كل منهما عندها سنعرف ماذا يعني بناء الدولة؟. 

إذ شبابنا يتطلع إلى إرجاع هيبة الدولة وقوتها، آملين بأن تكون من المعايير والمطالب الأساسية للانتخابات المقبلة. وهنا يأتي السؤال؛ هل يمكن أن تكون لدينا ديموقراطية وفي الوقت نفسه دولة من دون مؤسسات؟، مع إدراكنا بأنّ الانتخابات لا تصنع الديموقراطية، وأن الفساد والمصالح الذاتية تترسّخ أكثر، فهل من الممكن أن نجد حلّا من دون تغيير جوهري لواقعنا، كيف ومن سيقود ذلك؟ نحن بحاجة إلى قادة من أمثال مانديلا، لنسمهم بآباء مؤسسين يؤثرون على أنفسهم ولا يشكك في وطنيتهم؛ لكن من الصعب أن نجد من أمثال هؤلاء، عبقرية مانديلا ترجمها بالتسامح وبشمولية التواصل مع كلّ الأطراف وان كانوا الى الامس القريب هم أنفسهم سجّانيه لأمد طويل. 

غير ناسين أنّ العراقي بطبيعته يثور في الصيف ولهيبه، ويبحث عن حلول سريعة لمشكلات مجتمعية وحكومية مزمنة، فالتظاهرات والانتفاض على الواقع هو إعلان سنوي للمواطن بأن لصبره حدودا. 

ومع الأسف أصبحت هذه التظاهرات الآن من المعالم السياسية المهمة، فإنّها قد تخيف السياسي ولكنها أصبحت لا ترهبه. مشهد سنوي مثير للحكومة والشارع ليلعبوا فيها لعبة القط والفأر. يا ترى هل هذه هي الديموقراطية التي نريدها وستأتي بثمارها لصالحنا؟، اجعلوا – يا سياسيون – من حراك المتظاهرين المادة الخام لصنع ديموقراطية مجدية وليست فاقدة اللون والطعم والرائحة. وضروري أن لا ننسى أنّ في الستة الأشهر الأخيرة امتزج حماس المتظاهر بدمه وهذه معادلة تعكس خللا في العملية الديموقراطية. 

وعليه هل نريد صيفا باردا أم حراكا مجتمعيا ساخنا؟، لتقويم المسار هناك حاجة ضرورية لحلحلة الانسداد السياسي المزمن، هذه الحلحلة تتطلب تشكيل حكومة انقاذ تشارك فيها كل القوى السياسية ذات الثقل النيابي وتعمل معاً في كابينة واحدة يطبّق فيها برنامج حكومي مصغّر وواضح المعالم. 

هنا تكون أولوية الحكومة الاستثنائية تشخيص مكامن الخلل في الواقع والسعي لطرح البدائل الاقتصادية والسياسية السريعة والتي قد تكون مؤلمة على المواطن. 

اما البديل فسيكون إنشاء حكومة عادية مثل باقي الحكومات السابقة وهذه لها تداعيات كثيرة. فالاستمرار على الإطار الحالي وعدم تبني خيار حكومة استثنائية فإنّها سوف تعقّد المشهد السياسي كثيراً وستؤدي إلى مزيد من الانسداد فيه. فالواقع غير سليم وتأجيل او ترحيل عملية التصحيح إلى ما بعد انتخابات ٢٠٢٢م تماهل وليس صبرا على البلاء. لكل جبهة سياسية مستلزمات القوة والعدة (الذاتية والمكتسبة من الدولة) التي تحتاجها في حالة المواجهة مع الآخر السياسي او غيره. 

هل هما في وئام أم في خصام مع بعض؟، هناك تحالفات سياسية كبيرة لها خلطة ذات طبيعة ومكونات متشابكة تحتاج إلى فرز وغربلة لنعرف من المسؤول عن ماذا. 

وهل ستنحصر مكامن القوة والعدة على آليات السياسة وتطور الأداء السياسي الديموقراطي أم إنّها ستنزل للشارع أو العسكرة، لا سمح الله، لتهدد السلم المجتمعي؟، وعليه من الضروري أن نرعى لديموقراطيتنا بالنضج لكي لا تخرق السلم المجتمعي. وضروري أن لا ننسى أن بعض السياسيين فقدوا اتحادهم ضمن مكونهم الواحد، والبعض الآخر  فقد تماسكه حتى مع زميله في الكتلة الواحدة لعدم وجود مشروع يجمعهم، وهناك سياسيون ضائعون بين بناء جمهوريتهم الجديدة وبين بناء منافعهم الذاتية الآنية. 

تيهٌ سياسيٌّ نواجهه معاً، وعليه هل هناك فجوة بين السياسيين وجمهورهم؟ ام هناك تقارب في الرؤى بين أبناء المكونات المختلفة؟ وخصوصاً ونحن نرى تراجع الهوية القومية أو الاثنية أو الطائفية والبحثُ جارٍ عن هوية وطنية بديلة وإن كانت بعد غامضة المعالم. 

من وكيف تحدد هذه الهوية الوطنية؟، طبيعة الاصفافات، بين أبناء الشعب، يجب أن تعرف وتحدد وتقاس؛ لكي نعرف أنّ الانفجارات والانشطارات المكوناتيّة ولتْ ولن تعود وستخلف بعدها هوية جديدة صحية وصحيحة تناسب تطلعات وحاجات المواطن المنزعج من واقعه. 

ونحن مشغولون بواقعنا العراقي المحلي هناك مخاطر خارجية تؤثر جوهريا على مسار البلاد، فما يسمّى بالحصار الاقتصادي أو الحرب الباردة الأميركية الشرسة ضد الجمهورية الإسلامية الايرانية مستمرة وستقذف بشظاياها الكثيرة على الساحة العراقية وستؤثر علينا لا محال. 

تزامن ذلك مع انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة أدت الى تعقيد المشهد، هذا التعقيد ستكون له امتدادات جيوسياسية وجيواقتصادية كثيرة، إذا اضفنا لها وقوع شظايا البارود على أرضنا. الواقع العراقي لن يتحمّل استنزافاً من هكذا نوع طويل الأمد، فيجب تحديد خارطة طريق طارئة تبيّن فيها البدائل المعدّة لحماية المواطن وسلامته ويجب أن تأخذ هذه المهمة الأولوية بالنسبة لساستنا. هنا من الضروري اجراء زيارات مكوكيّة للعواصم المعنية بغية إيجاد خارطة طريق لحلحلة هكذا انسداد.

أخيرا نقول: حسن إدارة تعقيدات المرحلة تتطلب منا تحديدا واضحا للأولويات الحكومة المقبلة مع تشخيص طبيعة القيادة المطلوبة ونوع الديموقراطية المرجوة لعراقنا، غير ناسين أهمية تقليل سخونة الوضع الجيوسياسي درءاً للمخاطر والفتن.

اللهم احفظ لنا العراق وأهله … قولوا آمين.