فرهاد علاء الدين

رئيس المجلس الاستشاري العراقي

شكّلت القوى الشيعية لجنة سباعية لاختيار رئيس الوزراء القادم، تمهيدا لعرض الاختيار على “شركاء الوطن” من الكرد والسنة، وصولا الى توافق وطني يتحقق معه تشكيل حكومة مؤقتة، تعمل أولا على تهيئة الأجواء لإجراء إنتخابات مبكرة. الى جانب مواجهة التحديات الراهنة وفي مقدمتها التهديد الوبائي لفايروس كورونا، وانهيار أسعار النفط وعجز الموازنة السنوية وتأخر إقرارها، فضلا على تلبية مطالب المتظاهرين واستعادة الاستقرار الأمني.

والسؤال هنا هو كيف ستختار اللجنة السباعية المرشح المنتظر، والآليات التي ستتبعها، وماهي المواصفات المطلوبة للفوز بموافقتها لهذا المرشح أو ذاك؟.

وقد ارتأت اللجنة وفي أول اجتماع لها استبعاد قادة الخط الأول من الذين تردد أن الاختيار سيقع على أحدهم. وكذلك بعض الأسماء التي ترددت قبيل تكليف محمد توفيق علاوي. وهذا يعني أن قادة الخط الثاني من الطبقة السياسية الشيعية هم الاوفر حظا. الى ذلك طالب أعضاء في مجلس النواب القيادات السياسية بتبني فكرة اتاحة الفرصة أمام الخط الثاني من القيادات. لكن ثمة رأي آخر تردد أيضا ومفاده اختيار مرشح مستقل ومن خارج السرب السياسي بأكمله وعلى وجه التحديد اكاديمي من داخل الوسط الجامعي.

ويرى مراقبون ان الرأي الأرجح هو اختيار احد القيادات السياسية من الخط الثاني وذلك لعدة أسباب منها، ان هذه القيادات قد واكبت العملية السياسية منذ بدايتها ويمتلكون تجربة في التعاطي مع الأزمات، ويدركون جيدا خفايا المشهد السياسي الحاكم. ولديهم قدرة على المناورة والتحرك في الفضاء السياسي بشكل سلس. وهذا يضع الأكاديمي المستقل في موقف لا يحسد عليه! وهو الذي لا يتمكن من سبر أغوار المشهد السياسي المعقد في العراق وسط كل التحديات والأزمات الخطيرة. بعض المراقبين يرى بأن البلاد لم تعد حقل تجارب لخيارات تنتهي الى فشل قد يدفعها الى الانهيار.

فالمرشح القادم يجب ان يكون سياسيا محنكا ودبلوماسيا من طراز رفيع ولديه تجربة في إدارة ملفات أمنية واقتصادية ويمتلك رؤية مالية ومتمرس في الادارة الحكومية، لكي يتمكن من حماية مصالح العراق والدفاع عنها ومعالجة المخاطر الإقتصادية والمالية القائمة واستعادة الأمن وبسط سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار المنشود. فهل سيتمكن الاكاديمي أيا كانت سيرته المهنية من إدارة كل تلك الملفات ؟

العلاقات الدولية

الجميع يعلم ان التحديات التي تواجه العراق كبيرة ولعل اهمها العزلة شبه الدولية التي اثارتها موجة الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ شهور وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى وعشرات المخطوفين والمغيبين، الى جانب فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة دفة الحكم بما يحقق الانتعاش الاقتصادي والتنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة واستمرار الانفلات الأمني في أغلب مدن العراق وسط غياب سلطة الدولة. كل ذلك جرى ويجري في ظل انشغال دول العالم بأزماتها المتفاقمة. بل أن بعض الدول باتت تعتبر ان الانفلات السائد في العراق الآن سياسيا وامنيا واقتصاديا هو سيد الموقف. والبعض منها يتجه نحو اعتبار العراق من الدول المارقة. ولعل التقرير الذي قدمته ممثلة الأمم المتحدة في مجلس الامن في الثالث من اذار الجاري، قد يدفع المجتمع الدولي لوضع العراق تحت طائلة البند السابع. وهذا يتطلب من المرشح القادم لقيادة المرحلة المؤقتة ان يكون قادرا على إدارة ملف العلاقات الخارجية بما يحقق الانفتاح على المجتمع الدولي وإستعادة البلد لمكانته المرموقة.

الجانب الاخر هنا، هو الصراع الدائر بين ايران وامريكا والذي نتلمس تداعياته على الساحة العراقية، ولعل ما شهدته بغداد في كانون ثان الماضي من عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وما تبعه من قصف صاروخي إيراني لقاعدة عين الأسد، خير دليل على تحول العراق الى ساحة مفتوحة لمواجهة غير مسبوقة بين واشنطن وطهران.

اخراج العراق من العزلة الدولية وعودته الى المجتمع الدولي بحاجة الى سياسي محنك، لديه القدرة على المناورة والتخطيط في عالم السياسة الدولية ليحمي العراق أولا، ومن ثم ليحصل على الدعم الدولي لمواجهة التحديات ومعالجة الازمات، وهذه المهمة لن تكون سهلة على شخص لم يمارس العمل السياسي وانغمس في العالم الاكاديمي طيلة حياته العملية.