لقمان عبد الرحيم الفيلي

يأتي شعور الانسان بالأمان في المرتبة الثانية ضمن هرم أولويات وحاجات البشر الرئيسة بعد الحاجة الى الهواء والماء والغذاء واللباس (حسب هرم ماسلو للدوافع). ولعل من اهم اسباب نشوء أنظمة العيش والمجتمعات بدءاً من تكوين الجماعة والقبيلة وصولاً الى نشوء الدول كنظام متكامل لضمان امن البشر ونشوء الحكومات كآلية لتطبيق وادامة نظام الدولة الذي يهدف في صلب أسباب نشوئه الى نقل المواطن من واقع حال معين الى واقع حال أفضل، ليضمن توفير متطلبات العيش الكريم التي يتصدرها في الاولوية توفير الامن على مختلف الأصعدة ضمن اهداف محددة، ولكنها جوهرية، لدعم شرعية وجود الدولة. من امثلة هذه الاهداف هي رفع مستوى معيشة المواطن بما يؤدي الى الرفاه وتحصين امن وسلامة المواطن والوطن (أي البعد المادي ومنها السيادة كهدف) او المحافظة على قيم المجتمع والحفاظ على تاريخه وتراثه (أي البعد المعنوي ومنها الكرامة كخصلة). هنا يأتي دور الحكومات ومسؤوليتها في تطبيق وتطوير السياسات المعنية لذلك المجتمع بتحقيق أسباب نشوء الدولة وإدامتها ضمن طبيعة ذلك المجتمع.

وعندما نحاول تطبيق ما جاء في أعلاه على حالة السيادة العراقية نشخّص سوية كعراقيين خلل مرتبط بموضوع السيادة والخروقات المستمرة التي نواجهها من قبل الأصدقاء والاعداء. لمعالجة هذا الخلل علينا جوهرياً ان نراجع بشجاعة واقعنا وفهمنا لطبيعة السيادة المطلوبة وأسباب خروقاتها المستمرة. هذه المراجعة تشخص ان كان الخلل فني، أي متعلق بسوء تطبيق سياسات الدولة، ام موضوعي، أي مرتبطة بهشاشة القرارات او عدم واقعية الرؤى والاهداف او لنقل ضعف إمكانية تطبيقها وتفعيلها. وبعد تشخيص الخلل نحتاج ان ننتقل الى المرحلة الثانية والمتعلقة بتشخيص المعالجات وطبيعة المستلزمات المهم تحضيرها لتفعيل هذه المعالجات.

احدى افرازات هذه الخروقات هي مع دول نعتقد كعراقيين ان لنا علاقات استراتيجية معها، وعليه من الضروري للذين يتحدثون (كسياسيين او اعلاميين او نخبة) عن مضار او منافع العلاقات الاستراتيجية، مع الصين او الولايات المتحدة او ايران او غيرهم، ان يعرفوا بالمجمل متطلبات هكذا علاقات فضلاً عن تفاصيل تلك المتطلبات.

في العلاقات الاستراتيجية هناك بعدان أساسيان يحددان عمق العلاقة المطلوبة من عدمها. الأول مرتبط برغبة المجتمعات بدرجة الرفاه (البعد المادي) التي تريدها لشعوبها وكيفية التخطيط للوصول لها، والثاني مرتبط بدرجة السيادة (البعد المعنوي) التي تستعد ان تتنازل عنها مقابل الوصول الى هذه العلاقة الاستراتيجية ودرجة الرفاه الممكنة تبعاً. عندما تعرف المجتمعات كيفية ان توازن وتطبق هذه المعادلة الدقيقة عندها ستتقدم الى الأمام كثيراً في السير نحو علاقة استراتيجية متينة مع اي بلد اخر تريده. أما اذا بقت لا تعلم درجة الرفاه المطلوبة وطبيعة السيادة الممكنة عندها ستتوه وسط سياسات العالم المعقدة المتشابكة وتفقد البوصلة تجاه الحفاظ على السيادة الوطنية وبالتالي هيبة الدولة.

هذه السيادة والهيبة لا تأتي اعتباطاً، او بمعزل عن تجانس الواقع الداخلي مع سياساتها الخارجية. فالأطراف الأخرى تراقب دوماً، عن طريق عيونها ومتابعاتها، درجة التجانس والقوة (المادية والمعنوية) الداخلية، وكذلك تراقب حركة الدول في سياساتها الخارجية ومدى فعاليتها وتأثيرها وتكاملها مع واقعها الداخلي. هنا نرى أهمية التوازن في السياسات الاستراتيجية للدولة العراقية وعدم السعي للركض والقفز قبل ان تتعلم بالوقوف والسير بخطى متزنة ومحسوبة. ولعل سعينا كعراقيين لإيجاد علاقات استراتيجية مع عدد غير قليل من دول العالم مع عدم وضوح التكلفة ومستلزمات نجاحها وعدم توازن البعد الداخلي مع الخارجي ساعدت الأخرين على اعتقاد انه هناك ضعف في إمكانية ردع الدولة العراقية لها بما فيه الكفاية في حالت تحركهم لخرق سيادة العراق لمصالحهم الانية او الاستراتيجية.

السيادة والهيبة والرفاه والكرامة والامن وغيرها من مفردات القوة لأي لدولة لا تأتي من ذاتها، بل تحصل عليها المجتمعات بالمثابرة والتخطيط والايثار والتركيز وجمع سواعد النخب والكوادر المتقدمة لمجتمعاتها بعد تحديد الأدوار والرؤى الاستراتيجية المنبثقة من تزاوج عقولها الجبارة مع قياداتها الهميمة.