محمد شياع السوداني

تعدُّ أزمة السكن أبرز القضايا التي يعاني منها العراق حكومة وشعبا؛ وتزداد الأزمة كل يوم اتساعا وتنعكس اثارها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والامني بشكل عام؛ وعلى الرغم من كونها مشكلة قديمة الا انها ازدادت بعد عام 2003 إذ تشير تقديرات وزارة التخطيط إلى أن العراق يحتاج إلى ثلاثة ملايين وحدة سكنية تقريبا، ويأتي هذا في ظل معدل نمو مرتفع يعدُّ الأعلى على مستوى الشرق الأوسط إذ يتراوح مابين (2.8 بالمئة -3 بالمئة) وبمعدل مليون نسمة سنويا الأمر الذي يتطلب انشاء 120 إلى 150 ألف وحدة سكنية (إذا ما عُدَّ معدل أفراد الأسرة أربعة) وهي نسبة تراكمية أدت الى ارتفاع نسبة حاجات البلد في ظل عدم وجود بناء مستمر لوحدات سكنية ؛ وكذلك الدور الآيلة للسقوط والدور المهدمة في المحافظات المحررة والتي هي احد أسباب عزوف المواطنين عن العودة وترك معسكرات الإيواء؛ ما ادى إلى تفاقم المشكلة فهناك ملايين العراقيين الذين يفتقرون إلى منازل تأويهم وعوائلهم رافق هذا غياب سلطة القانون الذي أدى إلى اتخاذ اراضٍ للدولة واراضٍ زراعية سكنا لبعض مواطنين يعاني أكثرهم من عدم حصوله على مأوى للعيش فأصبح هذا خطرا يهدد الأمن والاستقرار الداخلي بشكل كبير ، فيما اضطر الكثير منهم إلى استئجار بيوت ببدلات إيجار مرتفعة في المدينة، أو اللجوء إلى السكن العشوائي.

وقد وجدنا أن سياسة الاسكان الوطنية التي اُقرت في عام 2010 لم يُنفذ منها سوى 5 بالمئة حتى عام 2018 وهذا دليل على سوء إدارة هذا الملف من الوزارات والجهات المعنية فضلا على ضعف الرقابة البرلمانية.

كما وجدنا من جهة أخرى أن قانون الاستثمار وتعديلاته كان الأفضل بالمنطقة الا انه لم يُستثمر بسبب عدم تطبيق نظام النافذة الواحدة مع وجود الكثير من المعيقات والتداخلات بين أجهزة الدولة حيث المشاكل الحقيقية التي تتعلق بالاراضي فهناك مشاكل افراز البساتين وتغيير الجنس وتعدد الجهات المالكة؛ ناهيك عن مشاكل خاصة بالتمويل سواء من جهة المواطن ومنحه قرضا ميسرا أم من جهة المستثمر وتسهيل منحه القروض.

وكذلك تمثل مشاكل البنى التحتية احد اهم المعيقات في تخطي هذه الأزمة إذ وزعت وزارة البلديات والمحافظات الالاف من قطع الأراضي السكنية للمواطنين في مناطق غير مخدومة ما أعاق بناءها علاوة على غياب مايطمئن المستثمرين بشأن ضمان تسلم حقوقهم المادية .

ناهيك عن أن المشاريع السكنية الاستثمارية لم تحل الأزمة أيضا، مثل مشروع (بسماية) الذي يعد الأكبر في العراق وهو مشروع مشترك بين موازنة الدولة والشركة المستثمرة ، ولم يكتمل حتى الآن، وإن اكتمل فإنه لن يتمكن من حل الازمة، لا سيما وان أغلب العوائل الفقيرة والتي تكوِّن النسبة الأكبر من الذين يفتقرون إلى سكن لا تملك القدرة على شراء الشقق زد على هذا عدم انجاز مشروع الطريق السريع الرابط بسماية بمركز محافظة بغداد وعدم إنجاز خط سكة الحديد الذي سبق وأن اُعلن عنه.

ومما يؤسف له لم تشهد المحافظات بناء مجمعات سكنية كبيرة لذوي الدخل المحدود الأمر الذي فاقم أزمة العشوائيات التي بلغت 523 ألف وحدة سكنية في بغداد والمحافظات يسكنها مايقارب ثلاثة ملايين مواطن.

ولكون مشاريع الإسكان في دول العالم كلها تمثل المفصل الأول لإنعاش الاقتصاد وانحسار البطالة وارتفاع نسب النمو لذلك نحن بحاجة الى لجنة وطنية عليا تتبنى تنفيذ القرار النيابي الملزم للحكومة الذي انضجته لجنة مراقبة تنفيذ البرنامج الحكومي والتخطيط الاستراتيجي والذي يمثل خارطة طريق لتنفيذ الحلول المعالجة لازمة السكن في العراق والقضاء على العشوائيات، وتأمين السكن اللائق للمواطنين لا سيما وان القرار جاء بعد مناقشة مستفيضة للمسودة من أعضاء اللجنة في الاستضافات والاجتماعات وورش العمل وباشراك وزارات كل من الاعمار والاسكان والبلديات والمالية والتخطيط وهيأة الاستثمار وممثلين عن القطاع الخاص تمخض عنها الخروج بحلول واقعية وعملية قابلة للتطبيق لحل ازمة السكن تمثلت بتشريع جملة من القوانين منها قانون معالجة التجاوزات السكنية وقانون إفراز الأراضي الزراعية والبساتين الواقعة في ضمن التصميم الأساس لمحافظة بغداد والبلديات وقانون استيفاء اجر المثل عن الأراضي المملوكة للدولة والمتصرف بها لأغراض غير زراعية وقانون صندوق الدعم لمعالجة العشوائيات وقانون شركات الوساطة العقارية وقانون التطوير العقاري وقانون التمويل الشامل وإعادة النظر بقانون دعاوى الملكية فضلا على تعديل قانون الاستثمار وتضمن القرار رصد تخصيصات مالية في ضمن موازنة (2020) منها (2) تريليون دينار لمشاريع تطوير البنى التحتية وتريليون دينار للمصرف العقاري لتمويل مشاريع السكن وتريليون دينار خُصِّصَ لصندوق الاسكان لتمويل قروض السكن للمواطنين و(500) مليار دينار لإكمال مشاريع المجمعات السكنية المتلكئة؛ كما تضمن القرار إلزام وزارة المالية؛ بالتنسيق مع البنك المركزي؛ بإنشاء برنامج التمويل العقاري تمنح من خلاله قرضا للمواطن لاتقل قيمته عن (75) مليون دينار لمدة( 25) سنة بنسبة فائدة لا تتجاوز (2 بالمئة) بضمان الوحدة السكنية على ان لا يقل عمر المواطن عن 18عاما ولمرة واحدة فقط فضلا على تقديم تسهيلات للمستثمرين العراقيين ولذوي الشهداء والسجناء السياسيين على وفق القوانين النافذة و تشجيع الصناعة الوطنية للمواد الإنشائية عن طريق تبني الحكومة تجهيز المواطنين بالمواد الإنشائية المنتجة محليا وبأسعار مدعومة لاعمار المساكن المدمرة في المدن المحررة وباقي المحافظات .

ان من شأن هذه التوصيات ان تكون حلولا حقيقية في حال التعاطي معها بجدية من الحكومة ومؤسساتها المعنية ومن هنا ندعو إلى وقفة جادة لإعادة الاحساس بالأمان للمواطن المعدم وإعادة الاستقرار للدولة لتتكاتف الجهود وتصب في بوتقة بناء العراق والارتقاء به.

أزمة ومعيقات ومثبطات يقابلها اصرار على حل وتيسير وتذليل اذا ما توافرت النوايا الصادقة.