الثلاثاء, 11 يناير 2022 9:39 م

د. سيف الدين زمان الدراجي
_باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي_

يشهد العالم اليوم سلسلة من التحولات الجيوستراتيجية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية المختلفة، التي تجعل من البلد المتأثر بعلاقات ذات خصوصية مع قضايا الأمن القومي محوراً لتنامي حلقات الصراع والمنافسة ضمن بيئته الدولية والإقليمية.
تحتاج الدول الى ان تعيش في حالة من الأمن والاستقرار، الأمر الذي سيعزز من قدراتها وعناصر قوتها الوطنية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والمعلوماتية لدعم مصالحها الحيوية ومواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية.
ان مفهوم الأمن القومي يشكل ظاهرة مركبة متعددة الابعاد تربط في دراستها بين علوم السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية.
يعرف الأمن بحد ذاته بأنه انعدام الشعور بالخوف والشعور بالامان وان اختلفت درجات التمتع به. أما الأمن القومي من وجهة نظر الباحث فيعرف على انه ” تعزيز عناصر القوة الوطنية العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والمعلوماتية لمواجهة المخاطر والتهديدات التي قد تتعرض لها المصالح الوطنية في البيئتين الداخلية والخارجية وعلى المستويين الدولي والأقليمي”.
إن أحد أهم المفاهيم التي تُعزز الأمن القومي وتدفع بإتجاه التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية هو مفهوم ادارة الصراع والذي تعرفه الباحثة سوزان راينز في كتابها ” ادارة الصراع للمدراء ” على أنه ” القدرة على تحديد النزاعات والتعامل معها واتخاذ القرارات بحكمة وكفاءة، بالإعتماد على مهارات التواصل الفعال وحل المشكلات والتفاوض”.
غالبا ما تنتهي الصراعات بإحدى النتائج التالية:
خاسر- خاسر: وهنا يكون طرفي النزاع خاسرين والنتيجة التي تم التوصل إليها لاتصب في مصلحة احد.
رابح – خاسر : وهنا يكون الحل في صالح أحد الأطراف على حساب الطرف الاخر.
رابح -رابح : حيث يكون الحل في مصلحة الجميع دون ان يتنازل أحد الاطراف دون مقابل.
تهيئ الدول شخصيات متخصصة في التفاوض وإدارة الصراع، وذلك بتطوير المهارات اللازمة للإضطلاع بهذه المهام ومنها مهارات التعرف على نقاط القوة والضعف بين اطراف النزاع وما الذي يسعى اليه كل طرف وكيف يمكن تقديمه له دون إثارة حفيظة الطرف الاخر، ووضع ارضية مشتركة للحوار والتفاهم، وهو ما يطلق عليه اصطلاحا بالذكاء العاطفي.

ان تعزيز مهارات التفكير التصميمي من حيث التعاطف وحل المشاكل وصياغة نماذج الاستجابة فضلا عن تعزيز
مهارات التواصل الفعال من خلال التعرف على أطراف الصراع
وفهم التفاصيل بدقة و عقد الاجتماعات التشاورية تمهيدا لتخفيف حدة الصراع وحل الأزمة او/و مواجهة التحدي، ستفتح الباب أمام أصحاب المصالح في إيجاد حلول تحقق الهدف المرجو من تحديد إطر المواجهة والتصدي لقضايا الصراع المفترض.

تشير الأبحاث إلى وجود خمس استراتيجيات لإدارة الصراع تتمثل ب:
1. التجنب وهو اسلوب يحاول متتبعه تجاهل الصراع أو تجنبه على أمل أن يحل نفسه او يتضائل تدريجيا بمرور الوقت.
2. المنافسة: يتم العمل بأسلوب المنافسة حينما تهتم بالنتائج بغض النظر عن الغايات حيث ان اسلوب المنافسة يرجح كفة المصالح الخاصة لطرف على حساب مصالح الطرف الآخر. يجب أن تحذر من استخدام هذا الاسلوب كونه قد يؤسس لعلاقات متشنجة مستقبلا.
3. التسوية: يهدف هذا الأسلوب إلى إيجاد حل مناسب ومقبول للطرفين يرضي جزئيا كل منهما مع الحفاظ على بعض الحزم و التعاون. هذا الأسلوب هو الأفضل استخداما عندما لا تكون النتيجة حاسمة. على سبيل المثال عندما تريد اتخاذ قرار والانتقال إلى أشياء اكثر أهمية وتكون على استعداد لتقديم بعض التنازلات ، ومع ذلك كن مدركا بأنه لن تجد أحدا راض تماما.
4. اسلوب التوافق: على عكس المنافسة، حيث تجد هناك حالة من نكران الذات والتضحية بالاحتياجات. عند التوافق تتكيف لإرضاء الطرف الآخر . يمكنك استخدام أسلوب التكييف او التوافق عندما لا تهتم كثيرا بالنتيجة ولكنك تريد الحفاظ على العلاقة أو بنائها.
5. أخيرا اسلوب التعاون: حيث يحاول كلا الطرفين أو الأطراف العمل مع بعضهم الآخر لتحديد حل يرضي تماما اهتمامات الجميع. هذا الأسلوب هو عكس اسلوب التجنب، حيث يمكن للطرفين الحصول على ما يريدون والتقليل من المشاعر السلبية. يعمل التعاون بشكل أفضل عندما تكون العلاقة طويلة الأمد والنتيجة مهمة لكلا الطرفين.

إن اختيار الأسلوب المناسب لإدارة الصراع يتطلب مراعاة عدد من العوامل تتمثل :
o مدى أهمية ما تسعى إليه من نتائج.
o تأثير ما قد يترتب على تحديد الاختيارات على جميع الأطراف.
o عواقب اختيار أن تكون أكثر حزما وتوجه نحو المصالح الذاتية لجهة على حساب أخرى.
o ما إذا كان هناك حلول تعاونية.

تسعى الدول إلى إدارة صراعاتها لتحقيق مصالح أمنها القومي من خلال اتباع أحد الأساليب المذكورة أعلاه مع الأخذ بنظر الاعتبار العوامل المطلوب مراعاتها من قبيل اختيار الاستراتيجية المراد مراجعة سبل إدارة الصراع فيها. على سبيل المثال، اشار عدد من الباحثين الى ان الصراع ما بين الولايات المتحدة والصين يتطلب ان يتبع كلا البلدين اسلوب سياسي معين تجاه الآخر لمواجهة تأثيرات أحدهما على الآخر من ناحية البيئة المشتركة ومصالح ومرتكزات الأمن القومي، سيما وأن مسارح تفاقم حدة الصراع بين البلدين في شبه الجزيرة الكورية وتايوان واليابان وبحر الصين الجنوبي وغرب المحيط الهادي والفضاء الإلكتروني، تؤكد ضرورة مراجعة احتمالات الحرب بين البلدين و الالتزام بسياسات رشيدة وإجراءات فاعلة و رادعة دون الوصول لحالة الصدام المباشر.
في الختام، لابد من أن تعي مؤسسات صياغة الاستراتيجيات ووضع وتنفيذ السياسات ضرورة تنمية القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، مع الاحتفاظ بشبكة العلاقات الدبلوماسية، لتقوية قنوات التواصل عند الأزمات بين القيادات السياسية والمؤسسات العسكرية، وبما يضمن تعزيز مرتكزات الأمن القومي لتفادي الاستفزازات غير الضرورية وعدم انسحاب الامور إلى مواجهة مباشرة.