“جمال جصاني”-الذكرى 61 لولادة الجمهورية الاولى على أنقاض الحكم الملكي (1921-1958) تدعونا لالقاء شيء من الضوء على هذه الانعطافة في تاريخ العراق الحديث، والتي تعرضت الى كم هائل من الضخ التعبوي والاعلامي المثقل بالانفعال والتمترس وردود الافعال الآيديولوجية المسكونة بالاجابات الجاهزة وثنائية (انقلاب أم ثورة) وغير ذلك من مانشيتات وخطابات يعاد اجترارها بين معسكري (المحب والمبغض) في مثل هذه المناسبات. في زمن النظام المباد لم يكن التطرق لهذه المناسبة بشكل مهني ومستقل متاحاً، لما يمثله ذلك النظام من امتداد لمنظومة القوى والمصالح والعقائد التي اغتالت تلك التجربة الفتية، لذلك جاءت الكتابات والمؤلفات التي دبجت طوال اربعة عقود من هيمنتهم السياسية والآيديولوجية حول ذلك الحدث بعيدة كل البعد عن الموضوعية والانصاف. كما ان معارضي ذلك النظام في بلدان الشتات، لم ينضح عنهم أية نشاطات جادة في مواجهة ما كانت تضخه مؤسسات النظام المباد من أكاذيب وزيف وتضليل حول طبيعة ومغزى ذلك الحدث المفصلي في مسيرة العراق الحديث، ليس هذا وحسب بل نجد من تلقف مقاليد امور البلد بعد “التغيير” يمثلون امتداداً للسلالات والقوى والعقائد التي تضررت من النظام الجمهوري (احزاب الاسلام السياسي السني والشيعي، القوى الكوردستانية التقليدية والواجهات الجديدة لفلول النظام المباد ومصالح تضررت من مشروعه التحرري..).
في الجانب الآخر هناك من يطرح نفسه بوصفه الوريث لمشروع وقيم الجمهورية الاولى، من دون أن يكلف نفسه في البحث عما يجمعه معها من مشتركات على صعيد الممارسة والمنهج والسلوك، وفي اصرارهم هذا يلحقون أبلغ وأشد الضرر بذلك الارث الذي لا يمت اليهم بصلة عملياً ونظرياً، ارث تيتم مبكراً بعد أن عبر عن أجمل ماهدهد عقول وضمائر العراقيين في اربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم. لن نجافي الموضوعية والانصاف عندما نقول؛ بان هذه المحطة المهمة لم تحظى بالاهتمام والبحث الرصين الذي يليق بمكانتها ودورها الفعليين. صحيح ان معسكري (المحب والمبغض) قد دبجوا كثبان واسعة من الكتابات والخطابات وأشباه الدراسات حول ذلك، لكنها في واقع الامر زادت من التباس وعتمة الرؤية لها وعسرت من أمكانية الوصول الى هويتها وملامحها الحقيقية.
ضمن المناخات والاصطفافات الحالية والتي جعلتنا نتبوأ قائمة البلدان الأكثر فساداً وفشلاً، تصبح أمكانية ان تحظى هذه المناسبة الوطنية بمحاولات جادة ورصينة لازاحة الركام عن ملامحها وأغوارها الفعلية أقرب الى المهمة المستحيلة، لما تختزنه من مضامين وشحنات تمثل الضد النوعي لما انحدرنا اليه بعد أغتيال الجمهورية الاولى وما رافقها من تنكيل وتصفيات لأفضل ما انجبه الوطن من ملاكات سياسية وعلمية وعسكرية. وهنا نحن نشير بشكل محدد لذلك الذي تم اغتياله منها؛ أي روح التحول الثوري ومضامينه الوطنية والديمقراطية والحداثوية، لانها وكأي حركة (اجتماعية-سياسية) عندما اصطدمت بتحديات ما بعد “الانقلاب” افرزت ما يعرف غالباً بـ “صراع الاجنحة” والذي انتهى بتمكن الامكانية السلبية وممثليها العسكريين والعقائدين والسياسيين؛ من التحول الى واقع مثلت “جمهورية الخوف” سنامه الاعلى. لهذا كله من الصعب توقع نهاية لهذا “اليتم” المبكر والطويل لها، من دون وجود علامات تشير الى قرب تعافي المجتمع العراقي واستعداده للتواصل مع ذلك الارث الذي مثل مرحلة هي الأكثر جمالاً وعنفواناً في تاريخه الحديث..